فخر الدين الرازي
75
تفسير الرازي
منه صفة للعجيب الشأن . السؤال الثاني : كيف مثلت الجماعة بالواحد ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أنه يجوز في اللغة وضع " الذي " موضع " الذين " كقوله : * ( وخضتم كالذي خاضوا ) * ( التوبة : 69 ) وإنما جاز ذلك لأن " الذي " لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة مجملة وكثرة وقوعه في كلامهم ، ولكونه مستطالاً بصلته فهو حقيق بالتخفيف ، ولذلك أعلوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا فيه على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين . وثانيها : أن يكون المراد جنس المستوقدين أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً . وثالثها : وهو الأقوى : أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد وإنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد . ومثله قوله تعالى : * ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار ) * ( الجمعة : 5 ) وقوله : * ( ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ) * ( محمد : 20 ) ورابعها : المعنى ومثل كل واحد منهم كقوله : * ( يخرجكم طفلاً ) * ( غافر : 67 ) أي يخرج كل واحد منكم . السؤال الثالث : ما الوقود ؟ وما النار ؟ وما الإضاءة ؟ وما النور ؟ ما الظلمة ؟ الجواب : أما وقود النار فهو سطوعها وارتفاع لهبها ، وأما النار فهو جوهر لطيف مضيء ، حار محرق ، واشتقاقها من " نار ينور " إذا نفر ؛ لأن فيها حركة واضطراباً ، والنور مشتق منها وهو ضوؤها ، والمنار العلامة ، والمنارة هي الشيء الذي يؤذن عليه . ويقال أيضاً للشيء الذي يوضع السراج عليه ، ومنه النورة لأنها تطهر البدن والإضاءة فرط الإنارة ، ومصداق ذلك قوله تعالى : * ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً ) * ( يونس : 5 ) و " أضاء " يرد لازماً ومتعدياً . تقول : أضاء القمر الظلمة ، وأضاء القمر بمعنى استضاء قال الشاعر : _ أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم * دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه وأما ما حول الشيء فهو الذي يتصل به ، تقول دار حوله وحواليه ، والحول السنة لأنها تحول ، وحال عن العهد أي تغير ، وحال لونه أي تغير لونه ، والحوالة انقلاب الحق من شخص إلى شخص ، والمحاولة طلب الفعل بعد أن لم يكن طالباً له ، والحول انقلاب العين ، والحول الانقلاب ، قال الله تعالى : * ( لا يبغون عنها حولاً ) * والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير ، والظلمة في أصل اللغة عبارة عن النقصان قال الله تعالى : * ( آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً ) * ( الكهف : 33 ) أي لم تنقص وفي المثل : من أشبه أباه فما ظلم ، أي فما نقص حق الشبه ، والظلم الثلج لأنه ينتقص سريعاً والظلم ماء السن وطراوته وبياضه تشبيهاً له بالثلج . السؤال الرابع : أضاءت متعدية أم لا ؟ الجواب : كلاهما جائز ، يقال : أضاءت النار بنفسها وأضاءت غيرها وكذلك أظلم الشيء بنفسه وأظلم غيره أي صيره مظلماً ، وههنا الأقرب أنها متعدية ، ويحتمل أن تكون غير متعدية مستندة إلى ما حوله والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء ، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة " ضاء " السؤال الخامس : هلا قيل ذهب الله بضوئهم لقوله : * ( فلما أضاءت ) * ؟ الجواب : ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة ، فلو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم